فصل: التفسير المأثور:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وقرأ الباقون بالتحتية على الخبر، واختار هذه القراءة أبو عبيدة.
والمعنى: إن الذين تدعونه إلها، وهي الأصنام، هو الباطل الذي لا ثبوت له ولا لكونه إلها {وَأَنَّ الله هُوَ العلي} أي العالي على كلّ شيء بقدرته المتقدّس على الأشباه والأنداد المتنزه عما يقول الظالمون من الصفات {الكبير} أي ذو الكبرياء، وهو عبارة عن كمال ذاته وتفرّده بالإلهية.
ثم ذكر سبحانه دليلًا بينًا على كمال قدرته، فقال: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السماء مَاء فَتُصْبِحُ الأرض مُخْضَرَّةً} الاستفهام للتقرير، والفاء للعطف على {أنزل} وارتفع الفعل بعد الفاء لكون استفهام التقرير بمنزلة الخبر كما قاله الخليل وسيبويه.
قال الخليل: المعنى أنزل من السماء ماء فكان كذا وكذا، كما قال الشاعر:
ألم تسأل الربع القواء فينطق ** وهل يخبرنك اليوم بيداء سملق

معناه: قد سألته فنطق.
قال الفراء: {ألم ترَ} خبر، كما تقول في الكلام: إن الله ينزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرّة، أي ذات خضرة كما تقول مبقلة ومسبعة، أي ذوات بقل وسباع، وهو عبارة عن استعجالها أثر نزول الماء بالنبات واستمرارها كذلك عادة، وصيغة الاستقبال، لاستحضار صورة الاخضرار مع الإشعار بتجدد الإنزال واستمراره، وهذا المعنى لا يحصل إلا بالمستقبل، والرفع هنا متعين؛ لأنه لو نصب لانعكس المعنى المقصود من الآية فينقلب إلى نفي الاخضرار، والمقصود إثباته.
قال ابن عطية: هذا لا يكون، يعني الاخضرار في صباح ليلة المطر إلا بمكة وتهامة.
والظاهر أن المراد بالاخضرار اخضرار الأرض في نفسها لا باعتبار النبات فيها كما في قوله: {فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الماء اهتزت وَرَبَتْ} [الحج: 5].
والمراد بقوله: {إِنَّ الله لَطِيفٌ} أنه يصل علمه إلى كل دقيق وجليل.
وقيل: لطيف بأرزاق عباده.
وقيل: لطيف باستخراج النبات، ومعنى {خَبِيرٌ} أنه ذو خبرة بتدبير عباده وما يصلح لهم.
وقيل: خبير بما ينطوون عليه من القنوط عند تأخير المطر.
وقيل: خبير بحاجتهم وفاقتهم.
{لَّهُ مَا فِي السماوات وما فِي الأرض} خلقًا وملكًا وتصرّفًا وكلهم محتاجون إلى رزقه {وَإِنَّ الله لَهُوَ الغني} فلا يحتاج إلى شيء {الحميد} المستوجب للحمد في كل حال {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله سَخَّرَ لَكُم مَا فِي الأرض} هذه نعمة أخرى ذكرها الله سبحانه، فأخبر عباده بأنه سخر لهم ما يحتاجون إليه من الدواب والشجر والأنهار وجعله لمنافعهم {والفلك} عطف على ما، أو على اسم أن، أي وسخر لكم الفلك في حال جريها في البحر، وقرأ عبد الرحمن الأعرج: {والفلك} بالرفع على الابتداء وما بعده خبره، وقرأ الباقون بالنصب.
ومعنى {تَجْرِي فِي البحر بِأَمْرِهِ} أي بتقديره، والجملة في محل نصب على الحال على قراءة الجمهور {وَيُمْسِكُ السماء أَن تَقَعَ عَلَى الأرض} أي كراهة أن تقع، وذلك بأنه خلقها على صفة مستلزمة للإمساك، والجملة معطوفة على تجري {إِلاَّ بِإِذْنِهِ} أي بأرادته ومشيئته، وذلك يوم القيامة {إِنَّ الله بالناس لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} أي: كثير الرأفة والرحمة حيث سخر هذه الأمور لعباده وهيأ لهم أسباب المعاش، وأمسك السماء أن تقع على الأرض فتهلكهم تفضلًا منه عل عباده وإنعامًا عليهم.
ثم ذكر سبحانه نعمة أخرى فقال: {وَهُوَ الذي أَحْيَاكُمْ} بعد أن كنتم جمادًا {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} عند انقضاء أعماركم {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} عند البعث للحساب والعقاب {إنْ الإنسان لَكَفُورٌ} أي كثير الجحود لنعم الله عليه مع كونها ظاهرة غير مستترة، ولا ينافي هذا خروج بعض الأفراد عن هذا الجحد؛ لأن المراد وصف جميع الجنس بوصف من يوجد فيه ذلك من أفراده مبالغة.
وقد أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن سلمان الفارسي: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من مات مرابطًا أجرى الله عليه مثل ذلك الأجر، وأجرى عليه الرزق وأمن من الفتانين، واقرؤوا إن شئتم {والذين هَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ الله ثُمَّ قُتِلُواْ أَوْ مَاتُواْ} إلى قوله: {حَلِيمٌ}».
وإسناد ابن أبي حاتم هكذا: حدّثنا المسيب بن واضح، حدّثنا ابن المبارك عن عبد الرحمن بن شريح عن عبد الكريم بن الحارث عن أبي عقبة، يعني: أبا عبيدة بن عقبة قال: قال شرحبيل بن السمط: طال رباطنا وإقامتنا على حصن بأرض الروم، فمرّ بي سلمان: يعني: الفارسي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن فضالة بن عبيد الأنصاري الصحابي أنه كان برودس، فمرّوا بجنازتين أحدهما قتيل والآخر متوفى، فمال الناس عن القتيل، فقال فضالة: مالي أرى الناس مالوا مع هذا وتركوا هذا؟ فقالوا: هذا القتيل في سبيل الله، فقال: والله ما أبالي من أيّ حفرتيهما بعثت اسمعوا كتاب الله {والذين هَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ الله ثُمَّ قُتِلُواْ أَوْ مَاتُواْ} الآية.
وإسناده عند ابن أبي حاتم هكذا: حدّثنا أبو زرعة عن زيد بن بشر أخبرني ضمام؛ أنه سمع أبا قبيل وربيعة بن سيف المغافري يقولان: كنا برودس ومعنا فضالة بن عبيد الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره.
قلت: ويؤيد هذا قول الله سبحانه: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مهاجرا إِلَى الله وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الموت فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ الله} [النساء: 100].
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في قوله: {وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ} قال: إن النبيّ بعث سرية في ليلتين بقيتا من المحرم فلقوا المشركين، فقال المشركون بعضهم لبعض: قاتلوا أصحاب محمد فإنهم يحرمون القتال في الشهر الحرام، وإن أصحاب محمد ناشدوهم وذكروهم بالله أن يعرضوا لقتالهم فإنهم لا يستحلون القتال في الشهر الحرام إلا من بادأهم، وإن المشركين بدأوا فقاتلوهم، فاستحلّ الصحابة قتالهم عند ذلك فقاتلوهم ونصرهم الله عليهم. وهو مرسل.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: {وَمَنْ عَاقَبَ} الآية قال: تعاون المشركون على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فأخرجوه، فوعده الله أن ينصره، وهو في القصاص أيضًا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد {وَإِن مَا تَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الباطل} قال: الشيطان.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: {إِنَّ الإنسان لَكَفُورٌ} قال: يعدّ المصيبات وينسى النعم. اهـ.

.التفسير المأثور:

قال السيوطي:
{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأرض وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ}.
أخرج الطبراني، عن ابن عباس قال: إذا أتيت سلطانًا مهيبًا تخاف أن يسطو بك فقل: الله أكبر الله أكبر من خلقه جميعًا، الله أعز ممن أخاف وأحذر، أعوذ بالله الذي لا إله إلا هو الممسك السماوات السبع أن يقعن علي الأرض إلا بإذنه، من شر عبدك فلان وجنوده وأشياعه، من الجن والإنس إلهي كن لي جارًا من شرهم، جل شأنك وعز جارك وتبارك إسمك ولا إله غيرك، ثلاث مرات.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله: {إن الإنسان لكفور} قال: يعد المصيبات، وينسى النعم.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد قال: كل شيء في القرآن {إن الإنسان لكفور} يعني به الكفار، والله أعلم!. اهـ.

.فوائد لغوية وإعرابية:

قال السمين:
{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السماء مَاءً فَتُصْبِحُ الأرض مُخْضَرَّةً}.
قوله: {فَتُصْبِحُ}: فيه قولان، أحدهما: أنه مضارعٌ لفظًا ماضٍ معنى، تقديرُه فأصبحَتْ، فهو عطفٌ على أَنْزَل. قاله أبو البقاء. ثم قال بعد أن عطف على {أَنْزل}: فلا موضعَ له إذن وهو كلامٌ متهافِتٌ؛ لأنَّ عَطْفَه على {أَنْزَلَ} يَقْتضي أن يكونَ له محلٌّ من الإعراب: وهو الرفعُ خبرًا لـ: أن، لَكِنه لا يجوزُ لعدم الرابطِ. والثاني: أنه على بابِه، ورَفْعُه على الاستئنافِ. قال: أبو البقاء: فهي أي القصة، وتُصْبِحُ الخبر. قلت: ولا حاجةَ إلى تقديرِ مبتدأ، بل هذه جملةٌ فعليةٌ مستأنفةٌ، ولاسيما وقَدَّر المبتدأ ضميرَ القصة ثم حذفه وهو لا يجوز؛ لأنه لا يؤتى بضميرِ القصة إلاَّ للتأكيدِ والتعظيم، والحذفُ يُنافيه.
قال الزمخشري: فإن قلتَ: هلا قيل: فَأَصْبحت، ولِمَ صُرِفَ إلى لفظِ المضارع؟ قلت: لنكتةٍ فيه: وهي إفادةُ بقاءِ أثرِ المطرِ زمانًا بعد زمانٍ كما تقول: أنعم على فلانٌ عامَ كذا فأرُوْح وأَغْدوا شاكرًا له. ولو قلت: رُحْتُ وغَدَوْتُ لم يَقَعْ ذلك الموقعَ. فإن قلت: فما له رُفِعَ ولم يُنْصَبْ جوابًا للاستفهام؟ قلت: لو نُصِب لأعطى عكسَ الغرضِ لأنَّ معناه إثباتُ الاخضرارِ، فينقلبُ بالنصب إلى نفي الاخضرار. مثالُه أن تقولَ لصاحبِك: ألم تَرَ أني أنعمتُ عليك فتشكر إن نَصَبْتَ فأنتَ نافٍ لشكره شاكٍ تفريطَه فيه، وإن رَفَعْتَه فأنت مُثْبِتٌ للشكرِ، وهذا وأمثالُه ممَا يجب أَنْ يَرْغَبَ له من اتَّسم بالعلم في علم الإعراب وتوقير أهله. وقال ابنُ عطية: قوله: {فتصبحُ} بمنزلة قوله فتضحى أو تصير، عبارةٌ عن استعجالِها إثْرَ نزولِ الماء واستمرارها لذلك عادةً. ورَفْعُ قوله: {فتُصْبِحُ} من حيث الآية خبرٌ، والفاء عاطفةٌ وليسَتْ بجواب، لأنَّ كونَها جوابًا لقوله: {أَلَمْ تَرَ} فاسدُ المعنى.
قال الشيخ: ولم يبين هو ولا الزمخشري قبله كيف يكون النصبُ نافيًّا للاخضرار، إلاَّ كونَ المعنى فاسدًا؟ قال سيبويه: وسألتُه يعني الخليل عن {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السماء مَاءً فَتُصْبِحُ الأرض مُخْضَرَّةً} فقال: هذا واجبٌ وتنبيه. كأنك قلت: أتسمعُ أنزل اللهُ من السماء ماء فكان كذا وكذا. قال ابن خروف: وقوله:هذا واجبٌ. وقوله: فكان كذا. يريدُ أنهما ماضيان، وفَسَّر الكلام بـ: أتسمع ليريَكَ أنه لا يتصل بالاستفهام لضعفِ حكمِ الاستفهامِ فيه. وقال بعضُ شُرَّاح الكتاب: {فتصبحُ} لا يمكن نصبُه؛ لأنَّ الكلامَ واجب. ألا ترى أن المعنى: أن اللهَ أنزلَ، فالأرض هذه حالُها. وقال الفراء: {ألم تَرَ} خبرٌ كما تقولُ في الكلام: علم أنَّ الله يفعل كذا فيكون كذا.
ويقول: إنما امتنع النصب جوابًا للاستفهام هنا؛ لأنَّ النفيَ إذا دخل عليه الاستفهامُ، وإن كان يقتضي تقريرًا في بعضِ الكلام هو مُعامَلٌ معاملةَ النفيِ المَحْضِ في الجوابَ. ألا ترى إلى قوله تعالى: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالواْ بلى} [الأعراف: 172] وكذلك الجوابُ بالفاءِ إذا أَجَبْتَ النفيَ كان على معنيين في كل منهما يَنْتفي الجوابُ. فإذا قلت: ما تأتِيْنا فتحدِّثَنا بالنصب، فالمعنى: ما تأتينا محدِّثًا، وإنما تأتينا ولا تحدث. ويجوزُ ِأن يكون المعنى: أنك لا تأتي فكيف تحدّثُ؟ فالحديث منتفٍ في الحالتين، والتقريرُ بأداةِ الاستفهام كالنفي المَحْض في الجواب يُثْبت ما دَخَلْتْه الهمزةُ، وينتفي الجوابُ، فيلزَمُ من هذا الذي قَرَّرْناه إثباتُ الرؤيةِ وانتفاءُ الاخضرارِ، وهو خلافُ المقصودِ. وأيضًا فإنَّ جوابَ الاستفهامِ ينعقدُ منه مع الاستفهامِ السابقِ شَرْطٌ وجزاءٌ كقوله:
ألم تَسْألْ فَتُخْبِرْكَ الرُّسومُ

يتقدر: إنْ تسألْ تخبرْك الرسوم، وهنا لا يتقدَّر: إنْ تَرَ إنزالَ المطر تصبح الأرض مخضرةً؛ لأنَّ اخضرارَها ليس مترتبًا على عِلْمِك أو رؤيتِك، إنما هو مترتبٌ على الإِنزال وإنما عَبَّر بالمضارعِ؛ لأن فيه تصويرًا للهيئة التي الأرض عليها والحالةِ التي لابَسَتِ الأرض، والماضي يفيد انقطاعَ الشيءِ. وهذا كقولِ جَحْدَرِ بنِ مَعُونة يصف حاله مع أشدِّ نازلةٍ في قصةٍ جَرَتْ له مع الحجاج ابن يوسف الثقفي، وهي أبياتٌ فمنها:
يَسْمُوا بناظِرَتَيْنِ تَحْسَبُ فيهما ** لِما أَجالهما شعاعَ سِراج

لَمَا نَزَلْتُ بحُصْنِ أَزْبَرَ مُهْصِرٍ ** للقِرْن أرواحَ العدا مَجَّاجِ

فأكرٌّ أحملُ وهو يُقعي باسْته ** فإذا يعودُ فراجعٌ أدراجي

وعلمْتُ أني إنْ أَبَيْتَ نِزالَه ** أني من الحَجَّاج لستُ بناجي

فقوله: فأكرٌّ تصويرٌ للحالةِ التي لابَسَها.
قلت: أمَا قوله وأيضًا فإنَّ جوابَ الاستفهامِ ينعقدُ منه مع الاستفهامِ. إلى قوله: إنما هو مترتِّبٌ على الإِنزال. منتزعٌ مِنْ كلامِ أبي البقاء. قال أبو البقاء: إنما رُفع الفعلُ هنا وإنْ كان قبلَه استفهامٌ لأمرين، أحدهما: أنه استفهامٌ بمعنى الخبر أي: قد رأيت، فلا يكون له جوابٌ. الثاني: أنَّ ما بعدَ الفاءِ ينتصِبُ إذا كان المستفهمُ عنه سببًا له، ورؤيته لإِنزالِ الماء لا يُوْجِبُ اخضرارَ الأرض، وإنما يجبُ عن الماء. وأمَا قوله: وإنما عَبَّر بالمضارع. فهو معنى كلامِ الزمخشري بعينه، وإنما غَيَّر عبارتَه وأَوْسَعَها.
وقوله: {فتصبحُ} استدلَّ به بعضُهم على أن الفاءَ لا تقتضي التعقيبَ قال: لأنَّ اخضرارَها متراخٍ عن إنزالِ الماء، هذا بالمشاهدةِ. وقد أُجيب عن ذلك بما نقله عكرمةٌ: مِنْ أَنَّ أرضَ مكة وتهامةَ على ما ذُكر، وأنها تُمْطِرُ الليلةَ فتصبح الأرض غُدْوَةً خَضِرةً، فالفاءُ على بابها. قال ابن عطية: وشاهَدْتُ هذا في السُّوس الأقصى، نَزَل المطر ليلًا بعد قَحْط، فأصبحت تلك الأرض الرَّمِلةُ التي تَسْفيها الرياحُ قد اخضرَّت بنباتٍ ضعيف. وقيل: تراخي كلِّ شيء بحَسَبه.
وقيل: ثَمَّ جملٌ محذوفةٌ قبل الفاءِ تقديره: فتهتَزُّ وتَرْبُو وتَنْبُتُ فتصبحُ. يبيِّنُ ذلك قوله: {فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الماء اهتزت وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ} وهذا من الحذفِ الذي يَدُلُّ عليه فَحْوَى الكلام كقوله تعالى: {فأرسلونِ يُوسُفُ أَيُّهَا الصديق أَفْتِنَا} [يوسف: 45- 46]. إلى آخر القصة.
و{تُصْبِحُ} يجوزُ أَنْ تكونَ الناقصةَ، وأَنْ تكونَ التامَّة. و{مُخْضَرَّةً} حالٌ. قاله أبو البقاء. وفيه بُعْدٌ عن المعنى إذ يصير التقديرُ: فَتَدخُلُ الأرض في وقتِ الصباح على هذه الحالِ. ويجوزُ فيها أيضًا أن تكونَ على بابِها من الدلالةِ على اقترانِ مضمونِ الجملة بهذا الزمنِ الخاصِّ. وإنما خَصَّ هذا الوقتَ لأن الخضرةَ والبساتينَ أبهجُ ما ترى فيه. ويجوزُ أن تكونَ بمعنى تَصير.
وقرأ العامَّةُ بضمِّ الميم وتشديدِ الراء اسمَ فاعلٍ، مِنْ اخْضَرَّت فهي مُخْضَرَّةٌ. والأصلُ مُخْضَرِرَة بكسر الراء الأولى، فأُدْغِمَتْ في مثلها. وقرأ بعضهم: {مَخْضَرَة} بفتح الميم وتخفيفِ الراء بزنة مَبْقَلَة ومَسْبَعَة. والمعنى: ذات خُضْرَواتٍ وذات سِباعٍ وذات بَقْلٍ.
{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأرض وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السماء أَنْ تَقَعَ عَلَى الأرض إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (65)}.
قوله: {والفلك}: العامَّةُ على نصبِ {الفلك} وفيه وجهان، أحدهما: أنها عطفٌ على {مَا فِي الأرض} أي: سَخَّر لكم ما في الأرض، وسَخَّر لكم الفلك. وأفردها بالذِّكْرِ، وإن انْدَرَجَتْ بطريقِ العمومِ تحت ما. ومن قوله: {مَا فِي الأرض} لظهورِ الامتنانِ بها ولعجيب تسخيرِها دونَ سائر المُسَخَّرات. و{تَجْري} على هذا حال. الثاني: أنها عَطْفٌ على الجلالة بتقدير: ألم تَرَ أن الفلكَ تَجْري في البحر، فتجري خبرٌ على هذا.
وضمَّ لامَ {الفُلُكَ} هنا الكسائي فيما رواه عن الحسن، وهي قراءة ابن مقسم. وقرأ أبو عبد الرحمن وطلحة والأعرج وأبو حيوة والزعفراني برفع {والفلكُ} على الابتداء وتجري بعده الخبر. ويجوز أن يكونَ ارتفاعُه عطفًا على محلِّ اسم أن عند مَنْ يُجَوِّز ذلك نحو: إنَّ زيدًا وعمروٌ قائمان وعلى هذا فـ: {تجري} حال أيضًا. و{بأمرِه} الباءُ: للسببية. قوله: {أَن تَقَعَ} فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنها في محلِّ نصبٍ أو جرٍّ لأنها على حَذْفِ حرفِ الجرِّ تقديرُه: من أن تقعَ. الثاني: أنها في محلِّ نصبٍ فقط؛ لأنها بدلٌ من {السماء} بدلُ اشتمالٍ. أي: ويُمْسِكُ وقوعَها يَمْنَعُه. الثالث: أنها في محلِّ نصبٍ على المفعولِ مِنْ أجلِه، فالبصريون يقدِّرون: كراهَة أن تقعَ. والكوفيون: لئلا تقعَ.
قوله: {إِلاَّ بِإِذْنِهِ} في هذا الجارِّ وجهان، أحدُهما: أنَّه متعلق بـ {تقعَ} أي: إلاَّ بإذنه فتقع. والثاني: أنَّه متعلق بـ يُمْسِكُ. قال ابن عطية: ويحتمل أَنْ يعودَ قوله: {إِلاَّ بِإِذْنِهِ} على الإِمساك، لأنَّ الكلامَ يَقْتضي بغير عَمَدٍ ونحوَه، كأنه أراد: إلاَّ بإذنِه فبه يُمْسِكها. قال الشيخ: ولو كان على ما قال لكان التركيبُ: بإذنِه، دونَ أداةِ الاستثناءِ. ويكونُ التقديرُ: ويُمْسِك السماء بإذنه. قلت: وهذا الاستثناءُ مُفَرَّغٌ، ولا يقعُ في موجَبٍ، لَكِنه لَمَا كان الكلامُ قبلَه في قوةِ النفي ساغَ ذلك، إذ التقديرُ: لا يَتْرُكُها تقعُ إلاَّ بإذنه. والذي يظهرُ أنَّ هذه الباءَ حاليةٌ أي: إلاَّ ملتبسةً بأمرِه. اهـ.